عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
326
الكمالات الإلهية في الصفات المحمدية
« قطب العجائب » . فكان الإنسان صورة حضرة الجمع والوجود ، فرجعت إليه حقائق الموجودات بأسرها رجوع الفرع إلى الأصل . وجمعها بذاته جمع الكل للجزء فناسب كل شئ منها كماله . على ما هو عليه ذلك الشئ . ولذلك صار مظهرا لجميع الحقائق . لأنه حضرة الجمع والوجود متصور بصورة كل حقيقة من حقائق الموجودات وهي الإنسان . ومن ثم كان الإنسان وجودا مطلقا لسريان حكمه في أقسام الوجود ، ظاهرا بظاهر ، وباطنا بباطن ، علويا بعلو ، وسفليا بسفلى . ومن ثم استحق الخلافة ، ووجب أن يسجد له من استخلف عليهم فلما كان العالم كله مسخرا للملائكة ، وكانت الملائكة حاكمة على العالم ، مدبرة للوجود ، اكتفى بسجودهم له دون غيرهم لأنه لا يستحق مرتبة السجود عند الملك إلّا أكابر الدولة . فسجد له الملائكة كلهم أجمعون . ولأجل ذلك نالوا السعادة فقيل في أمثالهم : إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ « 1 » . ثم لعن من تأبى من السجود له . فطوق بالشقاوة الأبدية لما كان امتناع إبليس من السجود . إمّا لاقتضاد الحقائق حتى يظهر التضاد من المطيع والعاصي . لينتج ذلك من الملك رضا وسخطا يظهر بهما النقمة والنعمة ، والقرب والبعد ، والسعادة والشقاوة . إلى غير ذلك من الحقائق وإلّا فعلى الحقيقة ليس في قوة موجود من الموجودات أن يتخلف عن السجود للأمر الإلهى لمثل هذا المخلوق . وسرّ ذلك أن حضرة الجمع لها الغلبة على حضرة الفرق فكل موجود من الموجودات حضرة فرق من الفروق ، والإنسان هو حضرة الجمع والوجود .
--> ( 1 ) الآية رقم ( 206 ) من سورة الأعراف مكية .